ابن رشد
278
تهافت التهافت
ينعكس . وعلى هذا لا يصح تأويل اللوح المحفوظ على ما حكاه عنهم ، وأما تأويل العقول المفارقة التي تحرك فلكا فلكا على جهة الطاعة لها ملائكة مقربين فتأويل جار على أصولهم ، وكذلك تسمية نفوس الأفلاك ملائكة سماوية إذا قصد مطابقة ما أدى إليه البرهان وما أتى به الشرع . قال أبو حامد : واستدلوا : فيه بأن قالوا : ثبت أن الحركة الدورية إرادية والإرادة تتبع المراد . والمراد الكلي لا يتوجه إليه إلا إرادة كلية ، والإرادة الكلية لا يصدر منها شيء . فإن كل موجود بالفعل معين جزئي والإرادة الكلية نسبتها إلى آحاد الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شيء جزئي بل لا بد من إرادة جزئية للحركة المعينة . فللفلك بكل حركة جزئية معينة من نقطة إلى نقطة معينة إرادة جزئية لتلك الحركة فله لا محالة تصور لتلك الحركات الجزئية بقوة جسمانية إذا الجزئيات لا تدرك إلا بالقوى الجسمانية ، فإن كل إرادة فمن ضرورتها تصور لذلك المراد أي علم به سواء كان جزئيا أو كليا . ومهما ككان للفلك تصور لجزئيات الحركات وإحاطة بها أحاط لا محالة بما يلزم منها من اختلاف النسب مع الأرض من كون بعض أجزائه طالعة وبعضها غاربة وبعضها في وسط سماء قوم وتحت قوم ، وكذلك يعلم ما يلزم من اختلاف النسب التي تتجدد بالحركة من التثليث والتسديس والمقابلة والمقارنة إلى غير ذلك من الحوادث السماوية وسائر الحوادث الأرضية تستند إلى الحوادث السماوية إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة ، وإما بوسائط كثيرة وعلى الجملة فكل حادث فله سبب حادث إلى أن ينقطع التسلسل بالارتقاء إلى الحركة السماوية الأبدية التي بعضها سبب للبعض فإذا الأسباب والمسببات ترتقي في سلسلتها إلى الحركات الجزئية السماوية ، فالمتصور للحركات متصور للوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة . ولهذا يطلع على ما يحدث فإن كل ما سيحدث فحدوثه واجب عن علته ، فمهما تحققت العلة تحقق المعلول . ونحن إنما لا نعلم ما يقع في المستقبل لأنا لا نعلم جميع أسبابها ، ولو علمنا جميع الأسباب لعلمنا المسببات فإنا مهما علمنا أن النار سيلتقي بالقطن مثلا في وقت معين ، فنعلم احتراق القطن ومهما علمنا أن شخصا سيأكل فنعلم أنه سيشبع وإذا علمنا أن شخصا سيتخطى الموضع الفلاني الذي فيه كنز مغطى بشيء خفيف إذا مشى عليه الماشي تعثر رجله بالكنز ، وعرفه ، فنعلم أنه سيستغني بوجود الكنز ولكن هذه الأسباب لا نعلمها ، وربما نعلم بعضها فيقع لنا حدس بوقوع المسبب ، فإن عرفنا أغلبها أو أكثرها حصل لنا ظن ظاهر بالوقوع . فلو حصل لنا العلم بجميع الأسباب لحصلت المعرفة بجميع المسببات إلا أن السماويات كثيرة ثم لها اختلاط بالحوادث الأرضية وليس في القوة البشرية الاطلاع عليه ونفوس السماوات مطلعة عليها لاطلاعها على السبب الأول ولوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة . ولهذا زعموا : أن النائم يرى في نومه ما يكون في المستقبل وذلك باتصاله باللوح المحفوظ ومطالعته ومهما اطلع على الشيء ربما بقي ذلك بعينه في حفظه وربما تسارعت القوة المتخيلة إلى محاكاتها فإن من غريزتها محاكاتها الأشياء بأمثلة تناسبها بعض المناسبة ،